أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

221

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ . . « بكم » الظاهر أنّ الباء على بابها من كونها داخلة على الآلة فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسّط بينهما . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن تكون المعدّية كقولك : ذهبت بزيد ، فيكون التقدير : أفرقناكم البحر ، ويكون بمعنى : « وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ » « 1 » وهذا قريب من الأول . ويجوز أن تكون الباء للسببيّة أي : بسببكم ، ويجوز أن تكون للحال من « البحر » أي : فرقناه ملتبسا بكم ، ونظّره الزمخشري بقول الشاعر : 458 - . . . * تدوس بنا الجماجم والتّريبا « 2 » أي : تدوسها ونحن راكبوها . قال أبو البقاء : « أي : فرقنا البحر وأنتم به ، فتكون إمّا حالا مقدّرة أو مقارنة » . قلت : وأيّ حاجة إلى جعله إياها حالا مقدّرة وهو لم يكن مفروقا إلا بهم حال كونهم سالكين فيه ؟ وقال أيضا : و « بكم » في موضع نصب مفعول ثان لفرقنا ، و « البحر » مفعول أول ، والباء هنا في معنى اللام » وفيه نظر ؛ لأنه على تقدير تسليم كون الباء بمعنى اللام فتكون لام العلّة ، والمجرور بلام العلة لا يقال إنّه مفعول ثان ، لو قلت : ضربت زيدا لأجلك ، لا يقول النحوي : « ضرب » يتعدّى لاثنين إلى أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر . والفرق والفلق واحد ، وهو الفصل والتمييز ، ومنه وَقُرْآناً فَرَقْناهُ « 3 » أي : فصلناه وميّزناه بالبيان ، والقرآن فرقان لتمييزه بين الحقّ والباطل وفرق الرأس لوضوحه ، والبحر أصله : الشّقّ الواسع ، ومنه : البحيرة لشقّ أذنها . والخلاف المتقدّم في النهر في كونه حقيقة في الماء أو في الأخدود جار هنا فليلتفت إليه . وهل يطلق على العذب بحر ، أو هو مختصّ بالماء الملح ؟ خلاف يأتي تحقيقه في موضعه . ويقال : أبحر الماء أي : صار ملحا قال نصيب : 459 - وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني * إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب « 4 » والغرق : الرّسوب في الماء ، وتجوّز به عن المداخلة في الشيء ، فيقال : أغرق فلان في اللّهو ، ويقال : غرق فهو غرق وغارق ، وقال أبو النجم : 460 - من بين مقتول وطاف غارق « 5 » ويطلق على القتل بأيّ نوع كان ، قال : 461 - . . . * ألا ليت قيسا غرّقته القوابل « 6 » والأصل فيه أن القابلة كانت تغرّق المولود في دم السّلى عام القحط ليموت ، ذكرا كان أو أنثى ، ثم جعل كلّ

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 138 ) . ( 2 ) عجز بيت للمتنبي وصدره : قمرّت غيرنا فرة عليهم * . . . انظر ديوانه ( 1 / 265 ) ، البحر ( 6 / 181 ) ، حاشية القطب على الكشاف ( 2 / 1071 ) ، الكشاف ( 4 / 338 ) ، التريب : عظم الصدر . ( 3 ) سورة الفرقان ، آية ( 106 ) . ( 4 ) البيت من شواهد القرطبي ( 1 / 388 ) . ( 5 ) البيت من شواهد القرطبي ( 1 / 388 ) . ( 6 ) عجز بيت للأعشى انظر ديوانه ( 183 ) ، وصدره : أطورين في عام غزاة ورحلة * . . . القرطبي ( 1 / 388 ) .